بيتا ١.٥
Spaceahmed m.

211
مواد
2,629
تعليقات
49,231
مشاهدات
25-4-1982
مواليد
May 23, 2002
منتسب منذ
المكان: درب التبانة
عنواني المختصر: space
آخر رسائلي (كل رسائلي)
@ ARWA AL-HAMED
صار كل خير اروى، بكره بنتقل لسكن جديد وتتغير اموري من التشرد للإستقرار، شكرا لأنك تهتمين
صار كل خير اروى، بكره بنتقل لسكن جديد وتتغير اموري من التشرد للإستقرار، شكرا لأنك تهتمين
@ Space
وش صار على الاسبوعين و راحه البال ~ يلا طمنا عليك
وش صار على الاسبوعين و راحه البال ~ يلا طمنا عليك
@ Space
thats nice i think having a 8a9eda to like
thats nice i think having a 8a9eda to like
@ Maria
قصيده احبها: The Road Not Taken
قصيده احبها: The Road Not Taken
المخلوقات الطائرة العملاقة
أحد أضخم الحيوانات الطائرة المعروفة للإنسان. إنها ليست ديناصور! بل من مملكة الحيوان شعبة الفقاريات فئة الزاحفة رتبة التيراصور (من الإغريقية ومعناها السحلية المجنحة) ومن الفئة الفرعية: Pterodactyloidea (من الاغريقية وتعني الاصبع المجنح) وأخيراً من عائلة Azhdarchidae (مأخوذ من التنين الضحاك في الأساطير الفارسية)

To Live / لتعيش..

انت تشاهد المواد من نوع (يومية) وتحت تصنيف - > عيون وآذان
الشاعرة د. فوزية أبو خالد أستاذة علم الإجتماع السياسي بجامعة الملك سعود اليوم على الإخبارية الساعة العاشرة مساءً.
مقال للدكتور الغذامي بعنوان "أم خالد":
http://www.alriyadh.com/2004/12/09/article33918.html
مقال للدكتور الغذامي بعنوان "أم خالد":
http://www.alriyadh.com/2004/12/09/article33918.html
نشرت في April 20, 2006, 9:04 pm
وآخر تحديث في April 26, 2006, 8:20 pm
وآخر تحديث في April 26, 2006, 8:20 pm
التصنيف: عيون وآذان
- موظف تقدم إلى وظيفة تتعلق بالفنون الرقمية وكتب في سيرته الذاتية انه مشارك في رحلة حياة، اتصل بي صاحب العمل الذي كان صديقي بالمناسبة وأفضى إلي بالأمر. ضحكت والله، شعرت بالفخر.
- كنت اسمع عن موقع الوسطية بإسمه المُوحي بالإطمئنان، ولم أكترث كثيراً لصاحبه د. محسن العواجي حتى قرأت مقالته عن د. غازي القصيبي، كيف يمكن لحامل شهادة دكتوراه أن يكون بهذه السخافة؟
- فلم وثائقي بعنوان "أسلحة الخداع الشامل" لداني شيكتر، وهو تشريح للإعلام الأمريكي، الرئيس بوش الإبن يقول لصدام: "اترك العراق وإلا سوف نهاجم" لو فرضنا انه تركها مالذي سوف يجري؟ هل ستظل امريكا ماضية في قرارها وتهاجم ام سوف تنهي فكرة الحرب وتربت على اكتاف العراقيين وتبارك لهم رحيل الطاغية؟. الرئيس الأمريكي أيضاً يخاطب الأمة –الأمريكية- يقول: "إخواني المواطنين، في هذه الساعة القوات الأمريكية والتحالف في المراحل الأخيرة من العمليات العسكرية لتجريد العراق من أسلحته وتحرير شعبه وحماية العالم من خطر عظيم". أحد الشعارات التي استخدمت في تغطية الحرب كانت Operation Iraqi Liberation وتعني عملية تحرير العراق، وتم إسقاطها واستبدالها ب Operation Iraqi Freedom لأن الأولى كانت تختصر ب OIL.
- هل يتحول إنهيار سوق الأسهم السعودي إلى تهديد للإستقرار السياسي؟ وسبب في الإستياء من السلطة؟
- هند الحريري تدخل قائمة أغنى غنيات العالم بثروة تبلغ 1.4 مليار دولار
- كنت اسمع عن موقع الوسطية بإسمه المُوحي بالإطمئنان، ولم أكترث كثيراً لصاحبه د. محسن العواجي حتى قرأت مقالته عن د. غازي القصيبي، كيف يمكن لحامل شهادة دكتوراه أن يكون بهذه السخافة؟
- فلم وثائقي بعنوان "أسلحة الخداع الشامل" لداني شيكتر، وهو تشريح للإعلام الأمريكي، الرئيس بوش الإبن يقول لصدام: "اترك العراق وإلا سوف نهاجم" لو فرضنا انه تركها مالذي سوف يجري؟ هل ستظل امريكا ماضية في قرارها وتهاجم ام سوف تنهي فكرة الحرب وتربت على اكتاف العراقيين وتبارك لهم رحيل الطاغية؟. الرئيس الأمريكي أيضاً يخاطب الأمة –الأمريكية- يقول: "إخواني المواطنين، في هذه الساعة القوات الأمريكية والتحالف في المراحل الأخيرة من العمليات العسكرية لتجريد العراق من أسلحته وتحرير شعبه وحماية العالم من خطر عظيم". أحد الشعارات التي استخدمت في تغطية الحرب كانت Operation Iraqi Liberation وتعني عملية تحرير العراق، وتم إسقاطها واستبدالها ب Operation Iraqi Freedom لأن الأولى كانت تختصر ب OIL.
- هل يتحول إنهيار سوق الأسهم السعودي إلى تهديد للإستقرار السياسي؟ وسبب في الإستياء من السلطة؟
- هند الحريري تدخل قائمة أغنى غنيات العالم بثروة تبلغ 1.4 مليار دولار
نشرت في March 16, 2006, 6:42 pm
التصنيف: عيون وآذان
محنة التنوير والتنويريين العرب
*وحيد عبد المجيد الحياة - 01/02/06//
لم يمض شهران على صعود «الإخوان المسلمين» في الانتخابات البرلمانية المصرية حتى حقق أقرانهم الفلسطينيون اختراقاً هائلاً عندما حصدوا غالبية مقاعد المجلس التشريعي في انتخابات 25 كانون الثاني (يناير) الماضي. صعود «الإخوان» في مصر بدا محدوداً لأنه لم يتجاوز 20 في المئة من مقاعد مجلس الشعب، فيما حصلت «حماس» على 57.5 في المئة من مقاعد المجلس التشريعي.
غير أن المقارنة لا تستقيم على هذا النحو. فصعود «الإخوان» في مصر إنعكس على وضع أقرانهم في الانتخابات الفلسطينية. كما أن الفوز الكبير الذي حققه هؤلاء سيدعم «الإخوان» في مصر ويدفعهم إلى الإعداد لنتيجة مماثلة في الانتخابات المقبلة عام 2010، أو قبل ذلك على الأرجح، إذا جد ما يوجب تبكير موعدها. غير أن أول اثر إقليمي لفوز «حماس» قد يظهر في الانتخابات التشريعية الأردنية في يوليو (تموز) 2007، أو قبل ذلك أيضاً إذا تقرر حل مجلس النواب خلال العام الجاري. لكن الاتجاه إلى حله أخذ يتراجع في الأيام الماضية منذ إعلان نتائج الانتخابات الفلسطينية.
إننا، اذاً، إزاء موجة لا سابق لها. فما أبعد المشهد العربي اليوم عما كان عليه لأكثر من قرن من الزمن، منذ أن بدأ التفكك في الدولة العثمانية، وأخذت المنطقة العربية تدخل، بدرجات مختلفة وفي أوقات متفاوتة، مرحلة الحداثة. لكن هذا التطوير حدث على مستوى المؤسسات والأبنية أكثر منه على صعيد العقل والفكر.
ولذلك لم تقترن هذه الحداثة بالتنوير إلا على نطاق محدود. لم تعرف المنطقة عصراً متنوراً بالمعنى الأوروبي، لكنها عرفت شيئاً من النور في أوساط النخب الثقافية أساساً. كان التنوير قشرة على سطح المجتمعات العربية. حلم كثير من أنصاره بأن يَنفُذ النور من هذا السطح الذي ظل، على رغم الجهود التي بُذلت، عازلاً أبقى معظم العرب بعيدين بدرجات متفاوتة عن التنوير. وكان هذا فشلاً للنخب العلمانية وشبه العلمانية جميعها، ليبراليين ويساريين وقوميين بمختلف تصنيفاتهم، أكثر مما كان نجاحاً لأصولية الإسلام السياسي والإسلام التقليدي التي تدخل الآن مرحلة انتعاش لا سابق لها. فأينما وليت وجهك تجدها من «المحيط إلى الخليج»، ولكن بدرجات متفاوتة في العمق والمدى.
فقد حقق حزب «العدالة والتنمية» الأصولي المغربي تقدما فى الانتخابات البرلمانية الأخيرة يجعله قريباً من أبواب السلطة في الانتخابات المقبلة. وإذا كان ضعف التطور السياسي في دول الخليج يؤجل صعود القوى الأصولية انتخابياً، فقد فرضت هذه القوى الكثير من مفاهيمها على حياة الناس في البلاد الأكثر حداثة، فوصل الأمر في البحرين، مثلاً، إلى حد أن يضطر وكيل وزارة الشؤون الإسلامية إلى إصدار فتوى تجيز تهنئة غير المسلمين بأعيادهم، خصوصاً تهنئة المسيحيين بأعياد الميلاد ورأس السنة الميلادية. هذا الأمر الذي كان بدهياً أصبح في حاجة إلى فتوى لأن الموجة الأصولية تشكك أعداداً متزايدة من المسلمين في ما هو بدهي، أو ما كان كذلك في مرحلة دخل فيها العرب عصر التنوير الذي لم يسفر عن تنور.
هذا التمييز بين التنوير والتنور وضعه الفيلسوف الألماني الكبير عمانويل كانط في بداية القرن الثامن عشر عندما قال إنه يعيش في عصر التنوير، ولكن ليس فى عصر متنور. لم يكن النور الذي أضاء سطح المجتمعات الأوروبية في ذلك الوقت قد بلغ الأعماق، ولم يكن التنور انتشر. كان محصوراً في نخب من المثقفين (أو الفلاسفة اذ لم يكن تعبير المثقف مستخدماً في ذلك الوقت) والسياسيين وعلية القوم.
كان كانط يرى أن العوام تعودوا على الوصاية وليس سهلاً إخراجهم منها، سواء كانت وصاية دينية أو سلطوية أو كلتيهما. وكان أكثر ما يدهشه أن يتعلق الناس بجلاديهم الكهنة على رغم الفظائع التي يرونها منهم.
وربما كان هذا هو ما يشعر به اليوم بعض أنصار التنوير في عالمنا العربي. ولكن الفرق هو أن التنويريين الأوروبيين كانوا أكثر إخلاصاً لقضيتهم وأوفر استقامة في الدفاع عنها. فالتنويريون العرب مسؤولون بأشكال مختلفة ودرجات متباينة عن الردة المتزايدة عن الحداثة والتوسع المتزايد للأصولية بأشكالها المختلفة.
وما لم يقروا بذلك، ربما لا يبقى لهم إلا القلق على حرية الفكر والتفكير والإبداع. فالنتائج التي حققها مرشحو «الإخوان» في الانتخابات المصرية مثلاً لم تأت من فراغ. كانت لها خلفيتها في تراجع العقلانية أمام زحف التخلف الفكري والجمود الديني، على نحو يدفع الكثير من العقلانيين إلى التشاؤم في شأن المستقبل. ولكن شتان بين تشاؤمهم السلبي، والقلق الذي كان يعتري التنويريين الأوروبيين خلال مرحلة تاريخية كانت فارقة في تاريخ أوروبا. كان نور العقل أخذ يهب على أوروبا التي نقلها الإصلاح الديني بدءاً من القرن السادس نقلة كبيرة إلى الأمام. شهد القرن الثامن عشر إعصاراً من النور، وليس مجرد مصباح منير. ولكنه لم يصل إلى عامة الناس إلا بعد جهد جهيد. ولو كان فولتير وزملاؤه من النوع السائد في أوساط المثقفين العرب الآن لما وصلت أوروبا إلى صورتها التي نعرفها الآن·
لم يكن الجمهور في أوروبا بعيداً عن النور الذي بدأ يضيء العقول فقط، بل كانت الغالبية ترفضه وتقاومه على النحو الذي أحبط فلاسفة التنوير في القرن الثامن عشر، وعلى رأسهم فولتير. وهذا هو ما يحدث مثله عندنا الآن بعدما تراجع فكر التنوير. فعلى رغم الفرق الكبير في السياق التاريخي والاجتماعي - الاقتصادي وفي دور النخبة الفكرية ومسؤوليتها بين أوروبا في ذلك الوقت وحالنا العربي، يظل هناك ما يتيح مقارنة بعض أوضاعنا الراهنة بما كانت فيه أوروبا عندما بدأ نور العقل يضيء فيها. كانت هذه بداية زعزعة المكانة التي نجح الكهنة طويلاً في الإيحاء للناس بأن لها طابعاً مقدساً وبالتالي لا يجوز نقدها والبقاء في إطار الملة في آن.·
وعلى رغم أننا لم نعرف في مجتمعاتنا العربية قداسة رجال الدين المسلمين، فقد نجح أصوليون سياسيون ليسوا من رجال الدين - ولا يعرف معظمهم الكثير في هذا الدين - في الاستحواذ على مكانة كبيرة لدى قطاعات يعتد بها من الجمهور. مكانة يختلط فيها الديني (الإسلام هو الحل) بالاجتماعي (الخدمات ومساعدة الناس على طريقة العمل الاجتماعي القاعدي المتجذر الذي تقوم به بعض المنظمات الاجتماعية الأوروبية الحديثة Gross Roots بالسياسي سواء أداء كثير من مؤسسات الدولة وضعف الحزب الحاكم).
ومثلما سعى أصوليو أوروبا إلى احتكار النظام الأخلاقي وربطه بالدين، يحاول الأصوليون السياسيون عندنا إقناع الناس بأن الخلاص من مشكلاتهم المتزايدة يعتمد على عوامل في مقدمها نظام أخلاقي يقولون انه مفقود الآن، وأن مصدره الوحيد هو الإسلام الذي يملك الحل لكل شيء وأي شيء من دون توضيح شيء من هذه الأشياء المحلولة عندهم.
هذا التبسيط الشديد لا يمكن أن يلقى استجابة من الجمهور إلا في بيئة سياسية – اجتماعية - ثقافية شديدة الهشاشة يتحمل أنصار التنوير العرب قسطاً من المسؤولية عنها على رغم أن نظم الحكم هي المسؤول الأول. فقد تواطأ كثير من المثقفين العرب مع هذه النظم ودافعوا عن استبدادها ما دام خطابها راديكالياً يهاجم الغرب ويحارب إسرائيل أمام «الميكروفونات» أو في وسائل الإعلام الرسمية التي سطحت وعي الناس وجهزتهم لاستقبال التبسيط الأصولي الذي لا يستسيغه متوسطو الوعي والمعرفة.
هذا التواطؤ، الذي يدل على عدم إخلاص التنويريين لقضية التنوير، قدم الجمهور في بلادنا العربية لقمة سائغة لتيارات أصولية تجد اليوم أرضاً ممهدة أمامها فتتقدم إليها وتتمدد فيها وتمعن في تبسيط قضايا لم تكن أكثر تعقيداً في أي عصر مضى منها في هذا العصر. ولا يجد هؤلاء القادمون من يسألهم عن جدوى تبشيرهم الأخلاقي الشكلي الذي يفتقد إلى مضمون. فلا يشك في مغزى هذا التبشير وصدقيته إلا من يفكر في مفارقتين لا بد أن يدور حولهما حوار جاد:
الأول هو ذلك التزامن بين موجة انحطاط أخلاقي تسود المجتمع على كل صعيد وموجة تدين عارمة تنتشر في هذا المجتمع نفسه.
والثانية هي تأييد وقوف الفئات الأفقر في معاشهم والأكثر حاجة إلى حل أزماتهم وراء الاتجاهات الأفقر في فكرها والأقل قدرة على حل أي أزمة.
*كاتب مصري
*وحيد عبد المجيد الحياة - 01/02/06//
لم يمض شهران على صعود «الإخوان المسلمين» في الانتخابات البرلمانية المصرية حتى حقق أقرانهم الفلسطينيون اختراقاً هائلاً عندما حصدوا غالبية مقاعد المجلس التشريعي في انتخابات 25 كانون الثاني (يناير) الماضي. صعود «الإخوان» في مصر بدا محدوداً لأنه لم يتجاوز 20 في المئة من مقاعد مجلس الشعب، فيما حصلت «حماس» على 57.5 في المئة من مقاعد المجلس التشريعي.
غير أن المقارنة لا تستقيم على هذا النحو. فصعود «الإخوان» في مصر إنعكس على وضع أقرانهم في الانتخابات الفلسطينية. كما أن الفوز الكبير الذي حققه هؤلاء سيدعم «الإخوان» في مصر ويدفعهم إلى الإعداد لنتيجة مماثلة في الانتخابات المقبلة عام 2010، أو قبل ذلك على الأرجح، إذا جد ما يوجب تبكير موعدها. غير أن أول اثر إقليمي لفوز «حماس» قد يظهر في الانتخابات التشريعية الأردنية في يوليو (تموز) 2007، أو قبل ذلك أيضاً إذا تقرر حل مجلس النواب خلال العام الجاري. لكن الاتجاه إلى حله أخذ يتراجع في الأيام الماضية منذ إعلان نتائج الانتخابات الفلسطينية.
إننا، اذاً، إزاء موجة لا سابق لها. فما أبعد المشهد العربي اليوم عما كان عليه لأكثر من قرن من الزمن، منذ أن بدأ التفكك في الدولة العثمانية، وأخذت المنطقة العربية تدخل، بدرجات مختلفة وفي أوقات متفاوتة، مرحلة الحداثة. لكن هذا التطوير حدث على مستوى المؤسسات والأبنية أكثر منه على صعيد العقل والفكر.
ولذلك لم تقترن هذه الحداثة بالتنوير إلا على نطاق محدود. لم تعرف المنطقة عصراً متنوراً بالمعنى الأوروبي، لكنها عرفت شيئاً من النور في أوساط النخب الثقافية أساساً. كان التنوير قشرة على سطح المجتمعات العربية. حلم كثير من أنصاره بأن يَنفُذ النور من هذا السطح الذي ظل، على رغم الجهود التي بُذلت، عازلاً أبقى معظم العرب بعيدين بدرجات متفاوتة عن التنوير. وكان هذا فشلاً للنخب العلمانية وشبه العلمانية جميعها، ليبراليين ويساريين وقوميين بمختلف تصنيفاتهم، أكثر مما كان نجاحاً لأصولية الإسلام السياسي والإسلام التقليدي التي تدخل الآن مرحلة انتعاش لا سابق لها. فأينما وليت وجهك تجدها من «المحيط إلى الخليج»، ولكن بدرجات متفاوتة في العمق والمدى.
فقد حقق حزب «العدالة والتنمية» الأصولي المغربي تقدما فى الانتخابات البرلمانية الأخيرة يجعله قريباً من أبواب السلطة في الانتخابات المقبلة. وإذا كان ضعف التطور السياسي في دول الخليج يؤجل صعود القوى الأصولية انتخابياً، فقد فرضت هذه القوى الكثير من مفاهيمها على حياة الناس في البلاد الأكثر حداثة، فوصل الأمر في البحرين، مثلاً، إلى حد أن يضطر وكيل وزارة الشؤون الإسلامية إلى إصدار فتوى تجيز تهنئة غير المسلمين بأعيادهم، خصوصاً تهنئة المسيحيين بأعياد الميلاد ورأس السنة الميلادية. هذا الأمر الذي كان بدهياً أصبح في حاجة إلى فتوى لأن الموجة الأصولية تشكك أعداداً متزايدة من المسلمين في ما هو بدهي، أو ما كان كذلك في مرحلة دخل فيها العرب عصر التنوير الذي لم يسفر عن تنور.
هذا التمييز بين التنوير والتنور وضعه الفيلسوف الألماني الكبير عمانويل كانط في بداية القرن الثامن عشر عندما قال إنه يعيش في عصر التنوير، ولكن ليس فى عصر متنور. لم يكن النور الذي أضاء سطح المجتمعات الأوروبية في ذلك الوقت قد بلغ الأعماق، ولم يكن التنور انتشر. كان محصوراً في نخب من المثقفين (أو الفلاسفة اذ لم يكن تعبير المثقف مستخدماً في ذلك الوقت) والسياسيين وعلية القوم.
كان كانط يرى أن العوام تعودوا على الوصاية وليس سهلاً إخراجهم منها، سواء كانت وصاية دينية أو سلطوية أو كلتيهما. وكان أكثر ما يدهشه أن يتعلق الناس بجلاديهم الكهنة على رغم الفظائع التي يرونها منهم.
وربما كان هذا هو ما يشعر به اليوم بعض أنصار التنوير في عالمنا العربي. ولكن الفرق هو أن التنويريين الأوروبيين كانوا أكثر إخلاصاً لقضيتهم وأوفر استقامة في الدفاع عنها. فالتنويريون العرب مسؤولون بأشكال مختلفة ودرجات متباينة عن الردة المتزايدة عن الحداثة والتوسع المتزايد للأصولية بأشكالها المختلفة.
وما لم يقروا بذلك، ربما لا يبقى لهم إلا القلق على حرية الفكر والتفكير والإبداع. فالنتائج التي حققها مرشحو «الإخوان» في الانتخابات المصرية مثلاً لم تأت من فراغ. كانت لها خلفيتها في تراجع العقلانية أمام زحف التخلف الفكري والجمود الديني، على نحو يدفع الكثير من العقلانيين إلى التشاؤم في شأن المستقبل. ولكن شتان بين تشاؤمهم السلبي، والقلق الذي كان يعتري التنويريين الأوروبيين خلال مرحلة تاريخية كانت فارقة في تاريخ أوروبا. كان نور العقل أخذ يهب على أوروبا التي نقلها الإصلاح الديني بدءاً من القرن السادس نقلة كبيرة إلى الأمام. شهد القرن الثامن عشر إعصاراً من النور، وليس مجرد مصباح منير. ولكنه لم يصل إلى عامة الناس إلا بعد جهد جهيد. ولو كان فولتير وزملاؤه من النوع السائد في أوساط المثقفين العرب الآن لما وصلت أوروبا إلى صورتها التي نعرفها الآن·
لم يكن الجمهور في أوروبا بعيداً عن النور الذي بدأ يضيء العقول فقط، بل كانت الغالبية ترفضه وتقاومه على النحو الذي أحبط فلاسفة التنوير في القرن الثامن عشر، وعلى رأسهم فولتير. وهذا هو ما يحدث مثله عندنا الآن بعدما تراجع فكر التنوير. فعلى رغم الفرق الكبير في السياق التاريخي والاجتماعي - الاقتصادي وفي دور النخبة الفكرية ومسؤوليتها بين أوروبا في ذلك الوقت وحالنا العربي، يظل هناك ما يتيح مقارنة بعض أوضاعنا الراهنة بما كانت فيه أوروبا عندما بدأ نور العقل يضيء فيها. كانت هذه بداية زعزعة المكانة التي نجح الكهنة طويلاً في الإيحاء للناس بأن لها طابعاً مقدساً وبالتالي لا يجوز نقدها والبقاء في إطار الملة في آن.·
وعلى رغم أننا لم نعرف في مجتمعاتنا العربية قداسة رجال الدين المسلمين، فقد نجح أصوليون سياسيون ليسوا من رجال الدين - ولا يعرف معظمهم الكثير في هذا الدين - في الاستحواذ على مكانة كبيرة لدى قطاعات يعتد بها من الجمهور. مكانة يختلط فيها الديني (الإسلام هو الحل) بالاجتماعي (الخدمات ومساعدة الناس على طريقة العمل الاجتماعي القاعدي المتجذر الذي تقوم به بعض المنظمات الاجتماعية الأوروبية الحديثة Gross Roots بالسياسي سواء أداء كثير من مؤسسات الدولة وضعف الحزب الحاكم).
ومثلما سعى أصوليو أوروبا إلى احتكار النظام الأخلاقي وربطه بالدين، يحاول الأصوليون السياسيون عندنا إقناع الناس بأن الخلاص من مشكلاتهم المتزايدة يعتمد على عوامل في مقدمها نظام أخلاقي يقولون انه مفقود الآن، وأن مصدره الوحيد هو الإسلام الذي يملك الحل لكل شيء وأي شيء من دون توضيح شيء من هذه الأشياء المحلولة عندهم.
هذا التبسيط الشديد لا يمكن أن يلقى استجابة من الجمهور إلا في بيئة سياسية – اجتماعية - ثقافية شديدة الهشاشة يتحمل أنصار التنوير العرب قسطاً من المسؤولية عنها على رغم أن نظم الحكم هي المسؤول الأول. فقد تواطأ كثير من المثقفين العرب مع هذه النظم ودافعوا عن استبدادها ما دام خطابها راديكالياً يهاجم الغرب ويحارب إسرائيل أمام «الميكروفونات» أو في وسائل الإعلام الرسمية التي سطحت وعي الناس وجهزتهم لاستقبال التبسيط الأصولي الذي لا يستسيغه متوسطو الوعي والمعرفة.
هذا التواطؤ، الذي يدل على عدم إخلاص التنويريين لقضية التنوير، قدم الجمهور في بلادنا العربية لقمة سائغة لتيارات أصولية تجد اليوم أرضاً ممهدة أمامها فتتقدم إليها وتتمدد فيها وتمعن في تبسيط قضايا لم تكن أكثر تعقيداً في أي عصر مضى منها في هذا العصر. ولا يجد هؤلاء القادمون من يسألهم عن جدوى تبشيرهم الأخلاقي الشكلي الذي يفتقد إلى مضمون. فلا يشك في مغزى هذا التبشير وصدقيته إلا من يفكر في مفارقتين لا بد أن يدور حولهما حوار جاد:
الأول هو ذلك التزامن بين موجة انحطاط أخلاقي تسود المجتمع على كل صعيد وموجة تدين عارمة تنتشر في هذا المجتمع نفسه.
والثانية هي تأييد وقوف الفئات الأفقر في معاشهم والأكثر حاجة إلى حل أزماتهم وراء الاتجاهات الأفقر في فكرها والأقل قدرة على حل أي أزمة.
*كاتب مصري
نشرت في February 1, 2006, 4:10 pm
وآخر تحديث في February 1, 2006, 4:12 pm
وآخر تحديث في February 1, 2006, 4:12 pm
التصنيف: عيون وآذان
ألف وجه لألف عام - «كوخ العم توم»: رواية الصبية التي ربحت الحرب الأهلية
ابراهيم العريس الحياة - 31/01/06//

صدور الرواية يتضمن أول أرقام نسخها المباعة.
«هارييت بيتشر ستو؟!... آه... انها الصبية التي ربحت الحرب». هذه العبارة أطلقها ذات يوم من أيام أواسط القرن التاسع عشر، ابراهام لِنكولن، رئيس الولايات المتحدة الأميركية عهد ذاك... والذي كان من أعظم مآثره، فرض تحرير العبيد السود على مواطنيه، الجنوبيين خصوصاً. طبعاً نعرف أن قرار لِنكولن الانساني، جر الولايات المتحدة الى حرب عنيفة بين الشماليين والجنوبيين، انتهت بهزيمة هؤلاء، وانتصار أولئك، ومعهم مشروع لِنكولن الذي دافعوا عنه. وهذه الحرب بالذات هي التي يتحدث عنها لِنكولن رابطاً الانتصار فيها الى تلك الصبية. ومع هذا لا بد من أن نسرع هنا الى التذكير بأن هارييت بيتشر ستو لم تكن في عداد جيش الشماليين ولم تكن من حملة السلاح أصلاً... ولا هي، بالتالي، خاضت تلك الحرب التي ما أنبنت الولايات المتحدة الحديثة إلا انطلاقاً منها. هارييت كانت كاتبة، لا أكثر. أما سلاحها، الذي به ربحت الحرب فكان رواية اعتبرت خلال عقود طويلة من السنين، أشهر نتاجات الأدب الأميركي، على رغم أن كبار النقاد والدارسين لا يحسبوها ضمن اطار نتاجات الأدب الرفيع. هي بالنسبة اليهم، ولم يكونوا على أية حال مخطئين – جمالياً – في نظرتهم هذه، رواية نضالية اجتماعية ذات رسالة. فإن حركت المجتمع وأوصلت هذه الرسالة، لن يكون من الضروري أن تستقيم فيها قواعد الأدب الكبير. «كوخ العم توم»، وهو عنوان الرواية التي تتحدث عنها هنا، رواية كانت ذات مفعول سحري، وساهمت في توعية عشرات الملايين وبالتالي في تحرير الملايين من العبيد الأرقاء، الذين بنوا جزءاً أساسياً من الاقتصاد الأميركي وأميركا الحديثة، من دون أن يُعترف لهم بذلك... حتى حق المواطنة كان يُضنّ به عليهم، في ظلم انساني لم يكن له سابق في التاريخ، وندر ان كان له مثيل بعد ذلك. واذا كان ابراهام لِنكولن قد تفوه بتلك العبارة، فما هذا إلا لأنه كان يشعر في أعماقه، بأنه لولا رواية هارييت بينشر ستو، التي صدرت في العام 1851، ما كان في امكانه أبداً أن ينجز مهمته التحريرية كما فعل. ومن هنا فإن عشرات ملايين السود الأميركيين وضعوا دائماً «كوخ العم توم» في صف واحد مع نضالات ابراهام لِنكولن كخلفية للحرية الانسانية التي حظوا بها، رسمياً، منذ بدايات النصف الثاني من القرن التاسع عشر.
> اليوم قد يبدو هذا الأمر عصياً على التصديق، في زمن ندر أن لعب فيه أي كتاب – أو أي عمل فني – دوراً خطيراً من النوع الذي يعزى الى «كوخ العم توم». واليوم قد يكون هناك مناضلون في سبيل قضية السود، يرون أن الكتاب كان شديد الاعتدال والوسطية – بل يذهب بعضهم الى انه كان تحذيرياً ليس إلا -، لكن الواقع والنظرة لم يكونا كذلك خلال السنوات التالية لصدور الكتاب. ففي تلك السنوات التي كانت فيها الولايات الأميركية تغلي في حمأة ذلك الصراع الذي استند من ناحية على المبادئ الأخلاقية التي كان كثر يرون أن على الولايات المتحدة أن تقوم عليها، وبين الميادين الاقتصادية والنفعية – من ناحية أخرى – التي كان «يجب» على الاقتصاد الأميركي أن يستند اليها. يومها حسم ابراهام لِنكولن السجال وصراعاته، وهو وجد في نصّ هارييت بيتشر ستو، خير سند له في ذلك بالطبع. فماذا في هذا النص؟
> فيه رواية... حكاية، قبل أي شيء آخر. ورواية مدرة للدموع بعد ذلك، لا تخرج ظاهرياً عن نمط الأعمال الميلودرامية التي تضع موضوعها بين قطبي الخير والشر. غير أن فيها كذلك كماً كبيراً من الغضب التحريضي عبر أشخاص وأحداث يتحملون خطايا المجتمع وأخطاءه، ولم يعد في وسعهم أن يسكتوا عما يحدث. والحكاية تبدأ مع وضع اقتصادي سيئ يطاول مزرعة في ولاية كنتاكي، ما يضطر صاحبها الى أن يبيع لآخرين، أفضل عبدين يعملان لديه (وكان ذلك بالطبع قبل صدور قوانين تحريم الرق وتحريم بيعهم كالبهائم بالتالي)... وهذان العبدان هما العجوز العم توم، والفتى النشط هنري، الذي كان ولد لأم خلاسية مكافحة. والحال أن هذه الأم، اذ تعلم بما سيكون عليه مصير ابنها، تأخذه وتهرب به، عابرة ولاية أوهايو التي يغمرها الجليد جاعلاً كل عبور لها أشبه بالانتحار، لكن الأم تتمكن من العبور، أما دهشة مطاردينها أنفسهم وذهولهم، حتى تصل بابنها الى بر أمان كانت تمثله في ذلك الحين كندا... وهي إذ تصل هناك يصبح في امكانها أن تبدأ حياة جديدة حرة، في بلد حر، خصوصاً بعد أن ينضم اليهما زوجها جورج الذي كان هرب بدوره من سيد آخر في مزرعة أخرى.
> أما بالنسبة الى العم توم فإن مصيره لن يكون على مثل هذه السهولة، فهو، على رغم وعيه التام بما يدبر له، وما يقاد اليه، يتبع بائع العبيد المكلف بإعادة بيعه مذعناً أمام مصيره هذا، مخلفاً وراءه أسرته العزيزة على قلبه والتي يعرف – ونعرف – أنه لا يمكنه أن يعيش من دونها. لكن الذي يحدث هو أن العم توم خلال عرضه للبيع، يلتقي الشابة الطيبة ايفانجلين، التي ما أن تراه حتى تحس بطيبته وتتوسل الى أهلها أن يشترياه لها... وبالفعل يصبح توم ملكاً لعائلة ايفانجلين، ما يضعه وسط حياة رائقة مطبوعة بالورع والايمان الديني العميق، ويجعله يعتقد لوهلة أن الحياة بدأت تبتسم له... لكن هذه الدعة وهذه الأحلام الناتجة عنها لا تطول، اذ سرعان ما تموت ايفانجلين، أما أبوها فإنه يصاب بعد حين بجروح قاتلة خلال أحداث شغب تقع في المنطقة... وهكذا يباع العبيد العاملين في مزرعة الراحلة ايفانجلين الى سادة آخرين، ويكون من نصيب العم توم أن يباع الى المزارع العنيف القاسي سيمون ليغري الذي، نظراً الى سن توم وخبرته يصطحبه الى مزرعته جاعلاً منه عيناً له على العبيد الآخرين، ما يحتم على توم أن يتعامل مع أخوته في الجنس والبؤس بكل قسوة، لكنه يرفض هذا. يرفضه تماماً، بل أنه يجابه سيمون بقوة وعنف ما يثير ثائرة هذا الأخير ويجعل أعوانه يضربونه حتى الموت عقاباً له. وفيما يكون توم على وشك أن يلفظ أنفاسه الأخيرة إثر هذا، يصل الى المكان الشاب ابن معلمه القديم في مزرعة ولاية كنتاكي، بعد أن ظل يبحث عنه زمناً طويلاً، وغايته – اذ استقامت أمور المزرعة القديمة بعض الشيء – أن يعيده الى هناك لكي يعيش بين قوم اعتادهم واعتادوه، ولم يكونوا قساة عليه قسوة المعلم الجديد. ولكن حين يصل الانقاذ على تلك الشاكلة يكون توم على وشك اسلام الروح... ولم يعد من الوقت ما يكفيه لأكثر من أن يقول بعض الكلمات القصيرة والمحشرجة بين يدي ابن معلمه. وهذه الكلمات ليست. في حقيقتها، سوى كلمات مفعمة بالحب والغفران لكل الناس، بمن فيهم ذلك المعلم القاسي الذي ضربه وقتله. وفي النهاية لا يضيع هذا الدرس كله هباء، اذ ان المزارع الشاب ما إن يعود الى مزرعته من دون أن يوفق باستعادة توم، لا يكون من أمره إلا أن يشتري من جديد كل العبيد الذين كانوا في ملكية أبيه، لكي يعيشوا في كنفه بكل كرامة ووئام.
> ظاهرياً لا تبدو هذه الرواية ثورية بقدر ما تبدو عملاً بؤسوياً مثيراً للشفقة. ولكن من المؤكد أن مفعولها كان هائلاً في ذلك الزمن، لأنها كما كتبتها هارييت بيتشر ستو (1811 – 1896)، حملت الكثير من المعاني التي خاطبت، وفي وقت واحد عقول البيض والسود، من دون أن تحمل تحريضاً يجعل الأمور تبدو حرباً بين العرقين. ومن هنا كان مفعولها كبيراً لدى بيض كثر قرأوها (خصوصاً ان هارييت كتبت روايتها منفعلة بأمر قضائي كان يحتم على كل شخص أن يشي بأي عبد أسود هارب من سادته)... وكانوا هم في نواة ذلك المد الشعبي الذي ساند ابراهام لنكولن كما ساند الشماليين، حين اندلع الصراع عنيفاً ضد الجنوبيين الذين كانوا يعتبرون امتلاك السود، حقاً طبيعياً الهياً لهم، منحتهم اياه السماوات والقوانين التي لا يجب خرقها.
ابراهيم العريس الحياة - 31/01/06//

صدور الرواية يتضمن أول أرقام نسخها المباعة.
«هارييت بيتشر ستو؟!... آه... انها الصبية التي ربحت الحرب». هذه العبارة أطلقها ذات يوم من أيام أواسط القرن التاسع عشر، ابراهام لِنكولن، رئيس الولايات المتحدة الأميركية عهد ذاك... والذي كان من أعظم مآثره، فرض تحرير العبيد السود على مواطنيه، الجنوبيين خصوصاً. طبعاً نعرف أن قرار لِنكولن الانساني، جر الولايات المتحدة الى حرب عنيفة بين الشماليين والجنوبيين، انتهت بهزيمة هؤلاء، وانتصار أولئك، ومعهم مشروع لِنكولن الذي دافعوا عنه. وهذه الحرب بالذات هي التي يتحدث عنها لِنكولن رابطاً الانتصار فيها الى تلك الصبية. ومع هذا لا بد من أن نسرع هنا الى التذكير بأن هارييت بيتشر ستو لم تكن في عداد جيش الشماليين ولم تكن من حملة السلاح أصلاً... ولا هي، بالتالي، خاضت تلك الحرب التي ما أنبنت الولايات المتحدة الحديثة إلا انطلاقاً منها. هارييت كانت كاتبة، لا أكثر. أما سلاحها، الذي به ربحت الحرب فكان رواية اعتبرت خلال عقود طويلة من السنين، أشهر نتاجات الأدب الأميركي، على رغم أن كبار النقاد والدارسين لا يحسبوها ضمن اطار نتاجات الأدب الرفيع. هي بالنسبة اليهم، ولم يكونوا على أية حال مخطئين – جمالياً – في نظرتهم هذه، رواية نضالية اجتماعية ذات رسالة. فإن حركت المجتمع وأوصلت هذه الرسالة، لن يكون من الضروري أن تستقيم فيها قواعد الأدب الكبير. «كوخ العم توم»، وهو عنوان الرواية التي تتحدث عنها هنا، رواية كانت ذات مفعول سحري، وساهمت في توعية عشرات الملايين وبالتالي في تحرير الملايين من العبيد الأرقاء، الذين بنوا جزءاً أساسياً من الاقتصاد الأميركي وأميركا الحديثة، من دون أن يُعترف لهم بذلك... حتى حق المواطنة كان يُضنّ به عليهم، في ظلم انساني لم يكن له سابق في التاريخ، وندر ان كان له مثيل بعد ذلك. واذا كان ابراهام لِنكولن قد تفوه بتلك العبارة، فما هذا إلا لأنه كان يشعر في أعماقه، بأنه لولا رواية هارييت بينشر ستو، التي صدرت في العام 1851، ما كان في امكانه أبداً أن ينجز مهمته التحريرية كما فعل. ومن هنا فإن عشرات ملايين السود الأميركيين وضعوا دائماً «كوخ العم توم» في صف واحد مع نضالات ابراهام لِنكولن كخلفية للحرية الانسانية التي حظوا بها، رسمياً، منذ بدايات النصف الثاني من القرن التاسع عشر.
> اليوم قد يبدو هذا الأمر عصياً على التصديق، في زمن ندر أن لعب فيه أي كتاب – أو أي عمل فني – دوراً خطيراً من النوع الذي يعزى الى «كوخ العم توم». واليوم قد يكون هناك مناضلون في سبيل قضية السود، يرون أن الكتاب كان شديد الاعتدال والوسطية – بل يذهب بعضهم الى انه كان تحذيرياً ليس إلا -، لكن الواقع والنظرة لم يكونا كذلك خلال السنوات التالية لصدور الكتاب. ففي تلك السنوات التي كانت فيها الولايات الأميركية تغلي في حمأة ذلك الصراع الذي استند من ناحية على المبادئ الأخلاقية التي كان كثر يرون أن على الولايات المتحدة أن تقوم عليها، وبين الميادين الاقتصادية والنفعية – من ناحية أخرى – التي كان «يجب» على الاقتصاد الأميركي أن يستند اليها. يومها حسم ابراهام لِنكولن السجال وصراعاته، وهو وجد في نصّ هارييت بيتشر ستو، خير سند له في ذلك بالطبع. فماذا في هذا النص؟
> فيه رواية... حكاية، قبل أي شيء آخر. ورواية مدرة للدموع بعد ذلك، لا تخرج ظاهرياً عن نمط الأعمال الميلودرامية التي تضع موضوعها بين قطبي الخير والشر. غير أن فيها كذلك كماً كبيراً من الغضب التحريضي عبر أشخاص وأحداث يتحملون خطايا المجتمع وأخطاءه، ولم يعد في وسعهم أن يسكتوا عما يحدث. والحكاية تبدأ مع وضع اقتصادي سيئ يطاول مزرعة في ولاية كنتاكي، ما يضطر صاحبها الى أن يبيع لآخرين، أفضل عبدين يعملان لديه (وكان ذلك بالطبع قبل صدور قوانين تحريم الرق وتحريم بيعهم كالبهائم بالتالي)... وهذان العبدان هما العجوز العم توم، والفتى النشط هنري، الذي كان ولد لأم خلاسية مكافحة. والحال أن هذه الأم، اذ تعلم بما سيكون عليه مصير ابنها، تأخذه وتهرب به، عابرة ولاية أوهايو التي يغمرها الجليد جاعلاً كل عبور لها أشبه بالانتحار، لكن الأم تتمكن من العبور، أما دهشة مطاردينها أنفسهم وذهولهم، حتى تصل بابنها الى بر أمان كانت تمثله في ذلك الحين كندا... وهي إذ تصل هناك يصبح في امكانها أن تبدأ حياة جديدة حرة، في بلد حر، خصوصاً بعد أن ينضم اليهما زوجها جورج الذي كان هرب بدوره من سيد آخر في مزرعة أخرى.
> أما بالنسبة الى العم توم فإن مصيره لن يكون على مثل هذه السهولة، فهو، على رغم وعيه التام بما يدبر له، وما يقاد اليه، يتبع بائع العبيد المكلف بإعادة بيعه مذعناً أمام مصيره هذا، مخلفاً وراءه أسرته العزيزة على قلبه والتي يعرف – ونعرف – أنه لا يمكنه أن يعيش من دونها. لكن الذي يحدث هو أن العم توم خلال عرضه للبيع، يلتقي الشابة الطيبة ايفانجلين، التي ما أن تراه حتى تحس بطيبته وتتوسل الى أهلها أن يشترياه لها... وبالفعل يصبح توم ملكاً لعائلة ايفانجلين، ما يضعه وسط حياة رائقة مطبوعة بالورع والايمان الديني العميق، ويجعله يعتقد لوهلة أن الحياة بدأت تبتسم له... لكن هذه الدعة وهذه الأحلام الناتجة عنها لا تطول، اذ سرعان ما تموت ايفانجلين، أما أبوها فإنه يصاب بعد حين بجروح قاتلة خلال أحداث شغب تقع في المنطقة... وهكذا يباع العبيد العاملين في مزرعة الراحلة ايفانجلين الى سادة آخرين، ويكون من نصيب العم توم أن يباع الى المزارع العنيف القاسي سيمون ليغري الذي، نظراً الى سن توم وخبرته يصطحبه الى مزرعته جاعلاً منه عيناً له على العبيد الآخرين، ما يحتم على توم أن يتعامل مع أخوته في الجنس والبؤس بكل قسوة، لكنه يرفض هذا. يرفضه تماماً، بل أنه يجابه سيمون بقوة وعنف ما يثير ثائرة هذا الأخير ويجعل أعوانه يضربونه حتى الموت عقاباً له. وفيما يكون توم على وشك أن يلفظ أنفاسه الأخيرة إثر هذا، يصل الى المكان الشاب ابن معلمه القديم في مزرعة ولاية كنتاكي، بعد أن ظل يبحث عنه زمناً طويلاً، وغايته – اذ استقامت أمور المزرعة القديمة بعض الشيء – أن يعيده الى هناك لكي يعيش بين قوم اعتادهم واعتادوه، ولم يكونوا قساة عليه قسوة المعلم الجديد. ولكن حين يصل الانقاذ على تلك الشاكلة يكون توم على وشك اسلام الروح... ولم يعد من الوقت ما يكفيه لأكثر من أن يقول بعض الكلمات القصيرة والمحشرجة بين يدي ابن معلمه. وهذه الكلمات ليست. في حقيقتها، سوى كلمات مفعمة بالحب والغفران لكل الناس، بمن فيهم ذلك المعلم القاسي الذي ضربه وقتله. وفي النهاية لا يضيع هذا الدرس كله هباء، اذ ان المزارع الشاب ما إن يعود الى مزرعته من دون أن يوفق باستعادة توم، لا يكون من أمره إلا أن يشتري من جديد كل العبيد الذين كانوا في ملكية أبيه، لكي يعيشوا في كنفه بكل كرامة ووئام.
> ظاهرياً لا تبدو هذه الرواية ثورية بقدر ما تبدو عملاً بؤسوياً مثيراً للشفقة. ولكن من المؤكد أن مفعولها كان هائلاً في ذلك الزمن، لأنها كما كتبتها هارييت بيتشر ستو (1811 – 1896)، حملت الكثير من المعاني التي خاطبت، وفي وقت واحد عقول البيض والسود، من دون أن تحمل تحريضاً يجعل الأمور تبدو حرباً بين العرقين. ومن هنا كان مفعولها كبيراً لدى بيض كثر قرأوها (خصوصاً ان هارييت كتبت روايتها منفعلة بأمر قضائي كان يحتم على كل شخص أن يشي بأي عبد أسود هارب من سادته)... وكانوا هم في نواة ذلك المد الشعبي الذي ساند ابراهام لنكولن كما ساند الشماليين، حين اندلع الصراع عنيفاً ضد الجنوبيين الذين كانوا يعتبرون امتلاك السود، حقاً طبيعياً الهياً لهم، منحتهم اياه السماوات والقوانين التي لا يجب خرقها.
نشرت في February 1, 2006, 4:07 pm
وآخر تحديث في February 1, 2006, 4:09 pm
وآخر تحديث في February 1, 2006, 4:09 pm
التصنيف: عيون وآذان
ألف وجه لألف عام - «تذكر ان تتذكر» لهنري ميلر: عبقرية الناس العاديين
ابراهيم العريس الحياة - 01/02/06//

هنري ميلر (1891 – 1980)
«نحن نتمسّك بالذاكرة من أجل الحفاظ على هوية، آه لو كان في امكاننا أن ندرك، أننا لا نستطيع أصلاً فقدانها أبداً. وحين نكتشف هذه الحقيقة، التي هي فعل الذاكرة نفسه، نجدنا وقد نسينا كل شيء آخر». هذه العبارات يوردها الكاتب الأميركي هنري ميلر، في مطلع مقال له طويل عنوانه «ذكرى ذكريات». وهذا المقال هو الذي أعار اسمه الى واحدة من أشهر كتب هذا الروائي – الناقد، الذي كان واحداً من أشهر الكتّاب الطليعيين الأميركيين عند أواسط القرن العشرين. ونعرف، بالطبع، أن هنري ميلر لم يكن من الكتّاب الذين يستسيغ عامة القراء – بل عامة النقاد أيضاً – أدبهم، ليس فقط بسبب اباحية بعضه، بل كذلك لصعوبة البعض الآخر. فهنري ميلر، سار في زمنه على التيار الجماهيري الذي ساد الأدب الأميركي محولاً اياه الى آلة تطحن الأدب الحقيقي، كما سار في الوقت نفسه عكس تيار الأدب الرفيع، الذي مثله كتاب مثل فولكنر أو مالكولم لوري. كان أدب هنري ميلر أدباً خاصاً، شديد الأوروبية، شديد التضاد مع القيم الأميركية. أما كتابه «تذكّر أن تتذكر» فإنه النص الذي عبر فيه ميلر أكثر من أي مكان آخر، عن الجذور الخلفية لعدائه لأميركا ولكل شيء أميركي، حتى وإن كان، هو، في الوقت نفسه، شديد التعلق بأميركا التي صاغها، في أدبه على مزاجه، ورح يبحث عنها في كل مكان، بما في ذلك، شوارع باريس الخلفية والقذرة.
> يقول لنا هنري ميلر، في واحد من أجزاء هذا الكتاب أن «أميركا مليئة بأماكن... أماكن خاوية. أماكن مزدحمة بأرواح خاوية... صحيح أن أميركا في الوقت نفسه مؤثثة بأحدث الآلات، وبكل أنواع الراحة الكاملة، ان جاز لنا القول. ولكن هكذا هي أميركا، وهذه هي أميركا، ولسنا في حاجة الى أن ندخل صالات السينما لندرك هذا».
ونحن، بالنسبة الينا، قد يكون حسبنا أن تدخل صفحات هذا الكتاب الغريب، والأسهل ولوجاً بين كل نصوص هنري ميلر على أية حال، حتى نكتشف «أميركا هذا الرجل»، ولكن عبر سلسلة من البورتريهات التي يرسمها لأناس، يلتقي بهم في هذا الشارع أو في تلك الزاوية. وميلر في معرض حديثه عن هؤلاء الناس، وفي مجال احالته الى السينما الهوليوودية ككناية عن أميركا، يدهش كيف أن هوليوود تمضي وقتها وتنفق جهودها وهي تبحث عن المواهب... مع انها، بدلاً من أن تسلط مجهر البحث هنا أو هناك، حسبها أن تنظر في أي مكان في أميركا لتجد أصحاب المواهب هنا وهناك، مرميين على قارعة الطرقات، في كل يوم من أيام العام، منهمكين في تلميع أحذية الآخرين وفي تنظيف ستراتهم. والحال أن أشخاصاً من هذا النوع هم الذين يتحدث عنهم هنري ميلر... الذي يقول لنا في مقدمة كتابه انه اذا كان جعل كتابه هذا «يحتوي على عدد معين من بورتريهات الأشخاص الذين ارغب في أن أجيبهم مكرّماً لهم، فإنه كان في وسعي وبكل سهولة أن أوسع دائرة رسمي للصور فأطلع من ذلك كله بألبوم ضخم، وهو أمر ما كنت أرغب فيه أصلاً أنا الذي خلال ست سنوات، حتى ولو اكتفيت بأن أبقى جالساً في مكاني، لم يكن لي مؤمن أن ألتقي عدداً كبيراً جداً من الناس. واذا ما استثنينا بعض هذه اللقاءات، أؤكد أن معظم من التقيت بهم، كان اللقاء معهم صدفة... وأود بهذا، أن أقول طبعاً أن القدر هو الذي جعل هؤلاء الناس في طريقي، أنا الذي تبدو حياتي كلها سلسلة من لقاءات الصدفة، علماً بأن معظم صداقاتي بدأت على هذا النحو... أما الأشخاص الذي كنت أموت شوقاً للقاء بهم والتعرف عليهم، فإنهم خيّبوا أملي في النهاية حين التقيت بهم».
> اذاً نحن هنا أمام كتاب عن لقاءات... اضافة الى أنه كتاب عن أميركا، حيث ان ميلر، من خلال تلك اللقاءات رسم صورة تشريحية لوطنه الذي اعتاد أن يدفع الى وهاد البؤس، كل أصحاب الأرواح الاستثنائية الذين كان ذنبهم الوحيد انهم رفضوا طغيان أميركا عليهم... كما رفضوا ذلك «الحس الأميركي السليم القائم على ممارسة العنصرية». وهذا ما يعبر عنه ميلر، مثلاً، في أحد النصوص، حين يحكي لنا كيف التقى رجلاً أسود يمسح الأحذية في صالون حلاقة وهو جالس على الرصيف قرب دكانه منهمكاً في الطباعة على الآلة الكاتبة «في ذلك المكان العام كان الرجل يكتب معظم رواياته... وكانت حبكات تلك الروايات استثنائية... وهذا أقل ما يمكن أن يقال عنها... بل كانت لوحات بانورامية أكثر منها روايات. والحقيقة أن هذه النصوص كان فيها شيء شديد الفرادة وسط عالم الأدب الأميركي. شيء ربما كان سيئاً... شديد السوء... لكنه كان شيئاً مثيراً، مثيراً ألف مرة أكثر من كل تلك الروايات الرخيصة التي تباع بعشرات ملايين النسخ».
> هذا الكاتب – ماسح الأحذية التي يرسم لنا هنري ميلر صورته على هذا النحو، يشغل واحدة من البورتريهات التي يرسمها الكاتب صاحب الذكريات. وهو من بعده على التوالي يحدثنا – في بورتريهات أخرى – عن ثلاثة رسامين ونحات، وعن مدير مسرح. ولعل أهم وأقسى ما يعبر عنه ميلر، من خلال رسمه لصورة هؤلاء الأشخاص انما هو الهوة الواسعة التي يرى انها تفصل بينهم وبين تلك الحضارة التي عاشوا وطلعوا في داخلها، معبرين بحياتهم ووجودهم عن أقسى آفاتها. ومع هذا فإن أغرب «بورتريهات» الكتاب، هي تلك التي يرسمها هنري ميلر للمدعو بدفورد ديلاني الذي يصفه بـ «المدهش وغير المتبدل» ويدخلنا في الحديث عنه على هذا النحو: «أجل انه مدهش ولا يتبدل بوفورد هذا. منذ 48 ساعة والعاصفة عاتية هنا في بيع شور، حيث يهتز البيت ويكاد يتهاوى... ولذا راحت أفكاري تجول حتى توقفت عند بوفورد. ما الذي صار عليه الآن، في شتاء مانهاتن، اذ تحول كل شيء الى ثلج وجليد؟ هنا ثمة دفء على رغم كل شيء وعلى رغم العاصفة(...) ولكن هناك في الرقم 181، غرين ستريت حيث يشتغل بدفورد ويحلم ويأكل لوحاته، ان لا شيء سوى فرن يشخر، محتفظاً بدرجة حرارة ثابتة هي مائة وعشرون درجة مئوية... وهذا الفرن هو وحده القادر على أن يناضل ضد البرد المذهل الذي تبثه الجدران والأرضية والسقف الذي يتقاطر الماء منه... ولكن هذا الفرن لا وجود له ولن يكون له أي وجود في 181 غرين ستريت... كذلك فإن شعار الشمس الدافئ، لن يدخل أبداً الى الغرفة الوحيدة التي يعيش فيها بدفورد...». وهذا التفكير ببدفورد هو الذي يحرك قلم ميلر، ليكتب بعد صفحات على لسان لوحة من لوحات بوفورد: «ها أنذا جالس هنا في غرين ستريت، لا أحد يمكن أن يراني سوى عين الله. أنا غرين ستريت منظور اليّ من وجهة نظر الأبدية. أنا زنجي مجنون، موجود على الشاكلة التي سأظهر عليها حين ينفخ الملاك غابريال في بوقه. أنا العزلة التي تعزف مستعجلة مجيء الأزمان المقبلة».
> اضافة لهذه البورتريهات الغريبة والمدهشة، ثمة صفحات عدة يتحدث فيها هنري ميلر (1891 – 1980) هنا عن تلك الحياة الصاخبة التي عاشها في باريس، حين فر الى أوروبا هرباً من عسف المحافظين في بلده، وراح يطبع أشهر كتبه (مثل «مدار الجدي» و «مدار السرطان» و «بلكسوس» و «نكسوس» و «الكابوس المكيف») ولا سيما سنوات الحرب التي كتب عنها ذلك النص المناوئ لكل قتل وكل حرب، وضّمَّ الى «تذكر أن تتذكر» وعنوانه: «اقتلوا القاتل».
ابراهيم العريس الحياة - 01/02/06//

هنري ميلر (1891 – 1980)
«نحن نتمسّك بالذاكرة من أجل الحفاظ على هوية، آه لو كان في امكاننا أن ندرك، أننا لا نستطيع أصلاً فقدانها أبداً. وحين نكتشف هذه الحقيقة، التي هي فعل الذاكرة نفسه، نجدنا وقد نسينا كل شيء آخر». هذه العبارات يوردها الكاتب الأميركي هنري ميلر، في مطلع مقال له طويل عنوانه «ذكرى ذكريات». وهذا المقال هو الذي أعار اسمه الى واحدة من أشهر كتب هذا الروائي – الناقد، الذي كان واحداً من أشهر الكتّاب الطليعيين الأميركيين عند أواسط القرن العشرين. ونعرف، بالطبع، أن هنري ميلر لم يكن من الكتّاب الذين يستسيغ عامة القراء – بل عامة النقاد أيضاً – أدبهم، ليس فقط بسبب اباحية بعضه، بل كذلك لصعوبة البعض الآخر. فهنري ميلر، سار في زمنه على التيار الجماهيري الذي ساد الأدب الأميركي محولاً اياه الى آلة تطحن الأدب الحقيقي، كما سار في الوقت نفسه عكس تيار الأدب الرفيع، الذي مثله كتاب مثل فولكنر أو مالكولم لوري. كان أدب هنري ميلر أدباً خاصاً، شديد الأوروبية، شديد التضاد مع القيم الأميركية. أما كتابه «تذكّر أن تتذكر» فإنه النص الذي عبر فيه ميلر أكثر من أي مكان آخر، عن الجذور الخلفية لعدائه لأميركا ولكل شيء أميركي، حتى وإن كان، هو، في الوقت نفسه، شديد التعلق بأميركا التي صاغها، في أدبه على مزاجه، ورح يبحث عنها في كل مكان، بما في ذلك، شوارع باريس الخلفية والقذرة.
> يقول لنا هنري ميلر، في واحد من أجزاء هذا الكتاب أن «أميركا مليئة بأماكن... أماكن خاوية. أماكن مزدحمة بأرواح خاوية... صحيح أن أميركا في الوقت نفسه مؤثثة بأحدث الآلات، وبكل أنواع الراحة الكاملة، ان جاز لنا القول. ولكن هكذا هي أميركا، وهذه هي أميركا، ولسنا في حاجة الى أن ندخل صالات السينما لندرك هذا».
ونحن، بالنسبة الينا، قد يكون حسبنا أن تدخل صفحات هذا الكتاب الغريب، والأسهل ولوجاً بين كل نصوص هنري ميلر على أية حال، حتى نكتشف «أميركا هذا الرجل»، ولكن عبر سلسلة من البورتريهات التي يرسمها لأناس، يلتقي بهم في هذا الشارع أو في تلك الزاوية. وميلر في معرض حديثه عن هؤلاء الناس، وفي مجال احالته الى السينما الهوليوودية ككناية عن أميركا، يدهش كيف أن هوليوود تمضي وقتها وتنفق جهودها وهي تبحث عن المواهب... مع انها، بدلاً من أن تسلط مجهر البحث هنا أو هناك، حسبها أن تنظر في أي مكان في أميركا لتجد أصحاب المواهب هنا وهناك، مرميين على قارعة الطرقات، في كل يوم من أيام العام، منهمكين في تلميع أحذية الآخرين وفي تنظيف ستراتهم. والحال أن أشخاصاً من هذا النوع هم الذين يتحدث عنهم هنري ميلر... الذي يقول لنا في مقدمة كتابه انه اذا كان جعل كتابه هذا «يحتوي على عدد معين من بورتريهات الأشخاص الذين ارغب في أن أجيبهم مكرّماً لهم، فإنه كان في وسعي وبكل سهولة أن أوسع دائرة رسمي للصور فأطلع من ذلك كله بألبوم ضخم، وهو أمر ما كنت أرغب فيه أصلاً أنا الذي خلال ست سنوات، حتى ولو اكتفيت بأن أبقى جالساً في مكاني، لم يكن لي مؤمن أن ألتقي عدداً كبيراً جداً من الناس. واذا ما استثنينا بعض هذه اللقاءات، أؤكد أن معظم من التقيت بهم، كان اللقاء معهم صدفة... وأود بهذا، أن أقول طبعاً أن القدر هو الذي جعل هؤلاء الناس في طريقي، أنا الذي تبدو حياتي كلها سلسلة من لقاءات الصدفة، علماً بأن معظم صداقاتي بدأت على هذا النحو... أما الأشخاص الذي كنت أموت شوقاً للقاء بهم والتعرف عليهم، فإنهم خيّبوا أملي في النهاية حين التقيت بهم».
> اذاً نحن هنا أمام كتاب عن لقاءات... اضافة الى أنه كتاب عن أميركا، حيث ان ميلر، من خلال تلك اللقاءات رسم صورة تشريحية لوطنه الذي اعتاد أن يدفع الى وهاد البؤس، كل أصحاب الأرواح الاستثنائية الذين كان ذنبهم الوحيد انهم رفضوا طغيان أميركا عليهم... كما رفضوا ذلك «الحس الأميركي السليم القائم على ممارسة العنصرية». وهذا ما يعبر عنه ميلر، مثلاً، في أحد النصوص، حين يحكي لنا كيف التقى رجلاً أسود يمسح الأحذية في صالون حلاقة وهو جالس على الرصيف قرب دكانه منهمكاً في الطباعة على الآلة الكاتبة «في ذلك المكان العام كان الرجل يكتب معظم رواياته... وكانت حبكات تلك الروايات استثنائية... وهذا أقل ما يمكن أن يقال عنها... بل كانت لوحات بانورامية أكثر منها روايات. والحقيقة أن هذه النصوص كان فيها شيء شديد الفرادة وسط عالم الأدب الأميركي. شيء ربما كان سيئاً... شديد السوء... لكنه كان شيئاً مثيراً، مثيراً ألف مرة أكثر من كل تلك الروايات الرخيصة التي تباع بعشرات ملايين النسخ».
> هذا الكاتب – ماسح الأحذية التي يرسم لنا هنري ميلر صورته على هذا النحو، يشغل واحدة من البورتريهات التي يرسمها الكاتب صاحب الذكريات. وهو من بعده على التوالي يحدثنا – في بورتريهات أخرى – عن ثلاثة رسامين ونحات، وعن مدير مسرح. ولعل أهم وأقسى ما يعبر عنه ميلر، من خلال رسمه لصورة هؤلاء الأشخاص انما هو الهوة الواسعة التي يرى انها تفصل بينهم وبين تلك الحضارة التي عاشوا وطلعوا في داخلها، معبرين بحياتهم ووجودهم عن أقسى آفاتها. ومع هذا فإن أغرب «بورتريهات» الكتاب، هي تلك التي يرسمها هنري ميلر للمدعو بدفورد ديلاني الذي يصفه بـ «المدهش وغير المتبدل» ويدخلنا في الحديث عنه على هذا النحو: «أجل انه مدهش ولا يتبدل بوفورد هذا. منذ 48 ساعة والعاصفة عاتية هنا في بيع شور، حيث يهتز البيت ويكاد يتهاوى... ولذا راحت أفكاري تجول حتى توقفت عند بوفورد. ما الذي صار عليه الآن، في شتاء مانهاتن، اذ تحول كل شيء الى ثلج وجليد؟ هنا ثمة دفء على رغم كل شيء وعلى رغم العاصفة(...) ولكن هناك في الرقم 181، غرين ستريت حيث يشتغل بدفورد ويحلم ويأكل لوحاته، ان لا شيء سوى فرن يشخر، محتفظاً بدرجة حرارة ثابتة هي مائة وعشرون درجة مئوية... وهذا الفرن هو وحده القادر على أن يناضل ضد البرد المذهل الذي تبثه الجدران والأرضية والسقف الذي يتقاطر الماء منه... ولكن هذا الفرن لا وجود له ولن يكون له أي وجود في 181 غرين ستريت... كذلك فإن شعار الشمس الدافئ، لن يدخل أبداً الى الغرفة الوحيدة التي يعيش فيها بدفورد...». وهذا التفكير ببدفورد هو الذي يحرك قلم ميلر، ليكتب بعد صفحات على لسان لوحة من لوحات بوفورد: «ها أنذا جالس هنا في غرين ستريت، لا أحد يمكن أن يراني سوى عين الله. أنا غرين ستريت منظور اليّ من وجهة نظر الأبدية. أنا زنجي مجنون، موجود على الشاكلة التي سأظهر عليها حين ينفخ الملاك غابريال في بوقه. أنا العزلة التي تعزف مستعجلة مجيء الأزمان المقبلة».
> اضافة لهذه البورتريهات الغريبة والمدهشة، ثمة صفحات عدة يتحدث فيها هنري ميلر (1891 – 1980) هنا عن تلك الحياة الصاخبة التي عاشها في باريس، حين فر الى أوروبا هرباً من عسف المحافظين في بلده، وراح يطبع أشهر كتبه (مثل «مدار الجدي» و «مدار السرطان» و «بلكسوس» و «نكسوس» و «الكابوس المكيف») ولا سيما سنوات الحرب التي كتب عنها ذلك النص المناوئ لكل قتل وكل حرب، وضّمَّ الى «تذكر أن تتذكر» وعنوانه: «اقتلوا القاتل».
نشرت في February 1, 2006, 4:01 pm
وآخر تحديث في February 1, 2006, 4:04 pm
وآخر تحديث في February 1, 2006, 4:04 pm
التصنيف: عيون وآذان
حملة مغربية رسمية لكشف حقيقة عقود انتهاكات حقوق الانسان
بيروت – ناجية الحصري الحياة - 01/02/06//
على رغم التحفظات والانتقادات المحلية التي قوبل بها تقرير «هيئة الانصاف والمصالحة» المغربية في تعاطيه مع ملفات عدد من ضحايا الانتهاكات التي حصلت في ما سمي «سنوات الرصاص» أو «الجمر» أو حتى «سنوات الدم»، فان ما انجزته هذه الهيئة خلال فترة عملها على مدى 23 شهراً (منذ بداية عام 2004 وحتى تاريخ تسليم تقريرها الى الملك محمد السادس في 30 تشرين الثاني نوفمبر 2005) لقي ترحيباً اوروبياً، في وقت اقتصر الاهتمام العربي على منظمات المجتمع المدني.
واذا كانت الجولة الاوروبية لرئيس «هيئة الانصاف والمصالحة» ادريس بنذكري اخيراً لتقديم الشروحات عن عمل الهيئة في كشف حقيقة ماضي انتهاكات حصلت منذ عام 1956 حتى عام 1999 ووضع آلية لاصلاحات واجب تطبيقها في ميادين تتعلق بالديموقراطية وحقوق الانسان والعدالة، حصدت استقطاباً اوروبياً بلغ حد تقديم «براءة ذمة» الى السلطات المغربية لـ «سيرها في الطريق الصحيح نحو التنمية الاقتصادية وترسيخ الديموقراطية وحقوق الانسان ودولة الحق والقانون» على ما قاله العضو المحافظ في مجلس العموم البريطاني ديريك كونري، وقول النائبة الاوروبية نتالي غريسبيك: «ان التقرير يبرز الجهود التي يبذلها المغرب لاعادة فتح ملفات ماضية والتوجه في شكل نهائي نحو المستقبل ولا يمكن الا ان نؤيد وندعم مثل هذه الجهود»، واعلان المدير العام للعلاقات الخارجية في اللجنة الاوروبية اينيكو لاندابورو «اننا معجبون جداً بهذا المسلسل الذي سيعزز الروابط بين المغرب والاتحاد الاوروبي وواثقون من أن قدرة الجانبين على العمل معاً ستصبح اقوى»، فان السلطات المغربية وجدت في التوجه الى الدول العربية لعرض تجربتها، واجباً لئلا تبقى الخطوة المغربية فريدة عربياً في زمن تطور مفاهيم حقوق الانسان واعتماد الشفافية. وثمة تجارب مماثلة حصلت في جنوب افريقيا وفي عدد من دول أميركا اللاتينية بصرف النظر عن نجاح بعضها وفشل أخرى.
لقد جند المغرب اخيراً سفاراته في الدول العربية، ومنها لبنان، لشرح خطوة «كشف الحقيقة»، حيث بدا الكلام قريباً من نداءات لبنانية بعضها من عمر حربه الاهلية وبعضها الآخر لا يتجاوز السنة.
وتكمن اهمية المبادرة المغربية لمعرفة حقيقة كل انتهاكات حقوق الانسان في المغرب منذ تاريخ استقلال هذه الدولة حتى تاريخ اعتلاء الملك محمد السادس العرش، في بحثها عن سبل لانصاف الضحايا أو «جبر الاضرار» والوصول الى مصالحة هي بمثابة «موقف وسطي» ما بين الانتقام والغفران، أو بكلام آخر لـ «حفظ الذاكرة ومنع تكرار ما حصل».
وكانت الهيئة تلقت 16861 ملفاً للتحقيق فيها بينها 9779 حالة على الاقل عن انتهاكات حقوق الانسان، تراوحت بين الوفاة والتعرض لاصابات في السجون وعمليات القتل خارج نطاق القضاء والاختفاءات القسرية والنفي القسري والانتهاكات الجنسية.
وسعت الهيئة الى معرفة ظروف مقتل 592 مغربياً خلال حقبة القمع التي امتدت بين ستينات وتسعينات القرن الماضي. واوضح تقريرها ان بين الضحايا 322 شخصاً قتلوا بالرصاص على أيدي قوات حكومية في احتجاجات احدها وقع في 1981 عندما تظاهر مئات الالوف في الدار البيضاء احتجاجاً على رفع اسعار المواد الغذائية، وحددت الهيئة مقابر 85 شخصاً بعضهم ضباط جيش حاولوا الاطاحة بالملك الراحل الحسن الثاني وكانوا محتجزين في سبعة سجون سرية. واكتشفت في الوقت نفسه ان 174 شخصاً توفوا خلال عمليات اعتقال تعسفي بين 1956 و 1999 لكنها لم تنجح في تحديد الاماكن التي دفنوا فيها.
وكان القمع في المغرب بلغ ذروته خلال الستينات والسبعينات والثمانينات بشن حملات للاعتقالات التعسفية واقامة عدد من المراكز والمعتقلات السرية للاستنطاق والتعذيب، واعتمدت الهيئة في بحثها عن الحقيقة على آليات عمل عدة منها الاستقصاء لدى الحكومة والسلطات العمومية والادارية، مثل الاستماع الى مسؤولين والاتصال بمنظمات حقوق الانسان في المغرب لمعرفة ما لديها من معلومات والاتصال بذوي الضحايا والاطلاع على الارشيفات الرسمية للوقوف على مسؤوليتها ومنها المديرية العامة للدراسات والمستندات (الاستخبارات).
ويوضح السفير المغربي لدى لبنان علي اومليل، وهو كان ناشطاً سابقاً في مجال حقوق الانسان والمعارضة، انه تبين من عمليات الاستقصاء «ان هناك خروقاً مركبة حصلت لحقوق الانسان وتم التحايل على القانون لا سيما في مجال توقيف الاشخاص لفترات تتجاوز ما ينص عليه التوقيف الاحتياطي، فيما كان التعذيب الوسيلة المفضلة لانتزاع الاعترافات في القضايا السياسية».
وبرزت أهمية جلسات الاستماع الى الضحايا في كونها بثت مباشرة عبر الاذاعات ومحطات التلفزة ما شكل نوعاً من «رد الاعتبار» لهم، وفي الوقت نفسه أتاحت هذه الجلسات اعترافات متبادلة، فاعترف «بعض المتضررين» بأنه اخطأ في ادائه واعترفت الدولة ايضاً بأنها اخطأت في الدفاع عن حقها من خلال اساليب تنتهك حقوق الانسان. واذا كان من اهداف الهيئة التعويض المالي على الضحايا وإعادة تأهيل المعتقلين السابقين لاعادة دمجهم في المجتمع واستعادة كراماتهم، فان المرجعية التي استندت اليها الهيئة، هي القانون الدولي وتجارب لجان الحقيقة في العالم. ولم تسقط الهيئة، بحسب السفير اومليل، حق الضحية في الادعاء أمام القضاء، على ان يثبت ما تعرض له.
وتضمن تقرير الهيئة الذي يقع في ستة مجلدات توصيات اعتبر انها «كفيلة بعدم تكرار ما وقع في الماضي» كونها ترتكز على «دعم التأصيل الدستوري لحقوق الانسان كما هو متعارف عليه دولياً، ووضع استراتيجية وطنية لمناهضة الافلات من العقاب وضرورة ادخال اصلاحات في مجالات الامن والعدالة والتشريع والسياسة الجنائية». وأوصت الهيئة بآليات لتنفيذ التوصيات ومتابعتها من خلال لجنة وزارية مختلطة.
ولقي التقرير دعماً رسمياً اذ ان امر العاهل المغربي الملك محمد السادس بنشره كاملاً، وقال في خطاب في 6 كانون الثاني (يناير) الماضي: «علينا جميعاً علاوة على حفظ هذه الحقبة في ذاكرة الامة باعتبارها جزءاً من تاريخها استخلاص الدروس اللازمة منها بما يوفر الضمانات الكفيلة بتحصين بلادنا من تكرار ما جرى واستدراك ما مات والأهم هو التوجه المستقبلي البناء».
ولا يرى السفير اومليل ان تقرير الهيئة يدين مرحلة نظام الملك الراحل الحسن الثاني بل يشير الى ان «مصالحة المغاربة مع أنفسهم بدأت في عهده، والمغرب يعترف بكل المواثيق الدولية لحقوق الانسان»، مشيراً بذلك الى «ان الخطوة لم تأتِ استجابة الى ضغوط خارجية» انما لـ «تراكم عمل نضالي طويل لجمعيات حقوق الانسان والأحزاب والنقابات، واقتناع لدى الجميع بضرورة ان تخطو الى أمام»، لافتاً الى ان الهيئة «تضم 16 عضواً من المستقلين ويترأسها معتقل سياسي سابق أمضى 17 سنة في السجون، ما يمنح الهيئة صدقية كون اعضائها معنيين مباشرة بما حصل».
واذا كانت خطوة كشف الفظاعات شرط عدم تسمية مرتكبيها والاكتفاء بالاشارة اليهم وعدم محاسبتهم، من نقاط الضعف في عملية المصالحة ومن مأخذ الناشطين في حقوق الانسان عليها ومطالبتهم ولو بـ «ادانة رمزية لضمان طي تلك الصفحة نهائياً»، فان العملية قومت او هي في طريقها الى تقويم اداء المسؤولين، بحيث «وجب عليهم معرفة ان أي خرق لمبدأ دستوري سيحاسبون عليه»، ولم يعد الهاتف، كما قال السفير اومليل، «وسيلة بعد اليوم لاعطاء الاوامر، ودفعت العملية بالحاجة الى قضاء مستقل والى التوصية باخضاع الاجهزة الامنية الى رقابة المجلس النيابي».
اما عن امكان التستر خلف قانون مكافحة الارهاب لمواصلة التوقيفات في المغرب، فيرد عليها السفير اومليل بأن للموقوف «حقوقاً بألا يتعرض للتعذيب وضمانات، سواء كان الأمر يتعلق بالارهاب أو غيره، فلا توجد في المغرب قوانين أو محاكم استثنائية».
ولا شك في ان خطوة «هيئة الانصاف والمصالحة» في نكء جروح لم تندمل خطوة جريئة في العالم العربي، خصوصاً اذا اقترنت باعتذار الدولة المغربية عما حصل، وهي تضع شعباً عربياً على ضفاف مجتمعات ارست عقوداً ما بين السلطة والشعب لاحترام حقوق الانسان والديموقراطية والانتقال الى مستويات متقدمة للتنمية.
بيروت – ناجية الحصري الحياة - 01/02/06//
على رغم التحفظات والانتقادات المحلية التي قوبل بها تقرير «هيئة الانصاف والمصالحة» المغربية في تعاطيه مع ملفات عدد من ضحايا الانتهاكات التي حصلت في ما سمي «سنوات الرصاص» أو «الجمر» أو حتى «سنوات الدم»، فان ما انجزته هذه الهيئة خلال فترة عملها على مدى 23 شهراً (منذ بداية عام 2004 وحتى تاريخ تسليم تقريرها الى الملك محمد السادس في 30 تشرين الثاني نوفمبر 2005) لقي ترحيباً اوروبياً، في وقت اقتصر الاهتمام العربي على منظمات المجتمع المدني.
واذا كانت الجولة الاوروبية لرئيس «هيئة الانصاف والمصالحة» ادريس بنذكري اخيراً لتقديم الشروحات عن عمل الهيئة في كشف حقيقة ماضي انتهاكات حصلت منذ عام 1956 حتى عام 1999 ووضع آلية لاصلاحات واجب تطبيقها في ميادين تتعلق بالديموقراطية وحقوق الانسان والعدالة، حصدت استقطاباً اوروبياً بلغ حد تقديم «براءة ذمة» الى السلطات المغربية لـ «سيرها في الطريق الصحيح نحو التنمية الاقتصادية وترسيخ الديموقراطية وحقوق الانسان ودولة الحق والقانون» على ما قاله العضو المحافظ في مجلس العموم البريطاني ديريك كونري، وقول النائبة الاوروبية نتالي غريسبيك: «ان التقرير يبرز الجهود التي يبذلها المغرب لاعادة فتح ملفات ماضية والتوجه في شكل نهائي نحو المستقبل ولا يمكن الا ان نؤيد وندعم مثل هذه الجهود»، واعلان المدير العام للعلاقات الخارجية في اللجنة الاوروبية اينيكو لاندابورو «اننا معجبون جداً بهذا المسلسل الذي سيعزز الروابط بين المغرب والاتحاد الاوروبي وواثقون من أن قدرة الجانبين على العمل معاً ستصبح اقوى»، فان السلطات المغربية وجدت في التوجه الى الدول العربية لعرض تجربتها، واجباً لئلا تبقى الخطوة المغربية فريدة عربياً في زمن تطور مفاهيم حقوق الانسان واعتماد الشفافية. وثمة تجارب مماثلة حصلت في جنوب افريقيا وفي عدد من دول أميركا اللاتينية بصرف النظر عن نجاح بعضها وفشل أخرى.
لقد جند المغرب اخيراً سفاراته في الدول العربية، ومنها لبنان، لشرح خطوة «كشف الحقيقة»، حيث بدا الكلام قريباً من نداءات لبنانية بعضها من عمر حربه الاهلية وبعضها الآخر لا يتجاوز السنة.
وتكمن اهمية المبادرة المغربية لمعرفة حقيقة كل انتهاكات حقوق الانسان في المغرب منذ تاريخ استقلال هذه الدولة حتى تاريخ اعتلاء الملك محمد السادس العرش، في بحثها عن سبل لانصاف الضحايا أو «جبر الاضرار» والوصول الى مصالحة هي بمثابة «موقف وسطي» ما بين الانتقام والغفران، أو بكلام آخر لـ «حفظ الذاكرة ومنع تكرار ما حصل».
وكانت الهيئة تلقت 16861 ملفاً للتحقيق فيها بينها 9779 حالة على الاقل عن انتهاكات حقوق الانسان، تراوحت بين الوفاة والتعرض لاصابات في السجون وعمليات القتل خارج نطاق القضاء والاختفاءات القسرية والنفي القسري والانتهاكات الجنسية.
وسعت الهيئة الى معرفة ظروف مقتل 592 مغربياً خلال حقبة القمع التي امتدت بين ستينات وتسعينات القرن الماضي. واوضح تقريرها ان بين الضحايا 322 شخصاً قتلوا بالرصاص على أيدي قوات حكومية في احتجاجات احدها وقع في 1981 عندما تظاهر مئات الالوف في الدار البيضاء احتجاجاً على رفع اسعار المواد الغذائية، وحددت الهيئة مقابر 85 شخصاً بعضهم ضباط جيش حاولوا الاطاحة بالملك الراحل الحسن الثاني وكانوا محتجزين في سبعة سجون سرية. واكتشفت في الوقت نفسه ان 174 شخصاً توفوا خلال عمليات اعتقال تعسفي بين 1956 و 1999 لكنها لم تنجح في تحديد الاماكن التي دفنوا فيها.
وكان القمع في المغرب بلغ ذروته خلال الستينات والسبعينات والثمانينات بشن حملات للاعتقالات التعسفية واقامة عدد من المراكز والمعتقلات السرية للاستنطاق والتعذيب، واعتمدت الهيئة في بحثها عن الحقيقة على آليات عمل عدة منها الاستقصاء لدى الحكومة والسلطات العمومية والادارية، مثل الاستماع الى مسؤولين والاتصال بمنظمات حقوق الانسان في المغرب لمعرفة ما لديها من معلومات والاتصال بذوي الضحايا والاطلاع على الارشيفات الرسمية للوقوف على مسؤوليتها ومنها المديرية العامة للدراسات والمستندات (الاستخبارات).
ويوضح السفير المغربي لدى لبنان علي اومليل، وهو كان ناشطاً سابقاً في مجال حقوق الانسان والمعارضة، انه تبين من عمليات الاستقصاء «ان هناك خروقاً مركبة حصلت لحقوق الانسان وتم التحايل على القانون لا سيما في مجال توقيف الاشخاص لفترات تتجاوز ما ينص عليه التوقيف الاحتياطي، فيما كان التعذيب الوسيلة المفضلة لانتزاع الاعترافات في القضايا السياسية».
وبرزت أهمية جلسات الاستماع الى الضحايا في كونها بثت مباشرة عبر الاذاعات ومحطات التلفزة ما شكل نوعاً من «رد الاعتبار» لهم، وفي الوقت نفسه أتاحت هذه الجلسات اعترافات متبادلة، فاعترف «بعض المتضررين» بأنه اخطأ في ادائه واعترفت الدولة ايضاً بأنها اخطأت في الدفاع عن حقها من خلال اساليب تنتهك حقوق الانسان. واذا كان من اهداف الهيئة التعويض المالي على الضحايا وإعادة تأهيل المعتقلين السابقين لاعادة دمجهم في المجتمع واستعادة كراماتهم، فان المرجعية التي استندت اليها الهيئة، هي القانون الدولي وتجارب لجان الحقيقة في العالم. ولم تسقط الهيئة، بحسب السفير اومليل، حق الضحية في الادعاء أمام القضاء، على ان يثبت ما تعرض له.
وتضمن تقرير الهيئة الذي يقع في ستة مجلدات توصيات اعتبر انها «كفيلة بعدم تكرار ما وقع في الماضي» كونها ترتكز على «دعم التأصيل الدستوري لحقوق الانسان كما هو متعارف عليه دولياً، ووضع استراتيجية وطنية لمناهضة الافلات من العقاب وضرورة ادخال اصلاحات في مجالات الامن والعدالة والتشريع والسياسة الجنائية». وأوصت الهيئة بآليات لتنفيذ التوصيات ومتابعتها من خلال لجنة وزارية مختلطة.
ولقي التقرير دعماً رسمياً اذ ان امر العاهل المغربي الملك محمد السادس بنشره كاملاً، وقال في خطاب في 6 كانون الثاني (يناير) الماضي: «علينا جميعاً علاوة على حفظ هذه الحقبة في ذاكرة الامة باعتبارها جزءاً من تاريخها استخلاص الدروس اللازمة منها بما يوفر الضمانات الكفيلة بتحصين بلادنا من تكرار ما جرى واستدراك ما مات والأهم هو التوجه المستقبلي البناء».
ولا يرى السفير اومليل ان تقرير الهيئة يدين مرحلة نظام الملك الراحل الحسن الثاني بل يشير الى ان «مصالحة المغاربة مع أنفسهم بدأت في عهده، والمغرب يعترف بكل المواثيق الدولية لحقوق الانسان»، مشيراً بذلك الى «ان الخطوة لم تأتِ استجابة الى ضغوط خارجية» انما لـ «تراكم عمل نضالي طويل لجمعيات حقوق الانسان والأحزاب والنقابات، واقتناع لدى الجميع بضرورة ان تخطو الى أمام»، لافتاً الى ان الهيئة «تضم 16 عضواً من المستقلين ويترأسها معتقل سياسي سابق أمضى 17 سنة في السجون، ما يمنح الهيئة صدقية كون اعضائها معنيين مباشرة بما حصل».
واذا كانت خطوة كشف الفظاعات شرط عدم تسمية مرتكبيها والاكتفاء بالاشارة اليهم وعدم محاسبتهم، من نقاط الضعف في عملية المصالحة ومن مأخذ الناشطين في حقوق الانسان عليها ومطالبتهم ولو بـ «ادانة رمزية لضمان طي تلك الصفحة نهائياً»، فان العملية قومت او هي في طريقها الى تقويم اداء المسؤولين، بحيث «وجب عليهم معرفة ان أي خرق لمبدأ دستوري سيحاسبون عليه»، ولم يعد الهاتف، كما قال السفير اومليل، «وسيلة بعد اليوم لاعطاء الاوامر، ودفعت العملية بالحاجة الى قضاء مستقل والى التوصية باخضاع الاجهزة الامنية الى رقابة المجلس النيابي».
اما عن امكان التستر خلف قانون مكافحة الارهاب لمواصلة التوقيفات في المغرب، فيرد عليها السفير اومليل بأن للموقوف «حقوقاً بألا يتعرض للتعذيب وضمانات، سواء كان الأمر يتعلق بالارهاب أو غيره، فلا توجد في المغرب قوانين أو محاكم استثنائية».
ولا شك في ان خطوة «هيئة الانصاف والمصالحة» في نكء جروح لم تندمل خطوة جريئة في العالم العربي، خصوصاً اذا اقترنت باعتذار الدولة المغربية عما حصل، وهي تضع شعباً عربياً على ضفاف مجتمعات ارست عقوداً ما بين السلطة والشعب لاحترام حقوق الانسان والديموقراطية والانتقال الى مستويات متقدمة للتنمية.
نشرت في February 1, 2006, 3:52 pm
وآخر تحديث في February 1, 2006, 4:06 pm
وآخر تحديث في February 1, 2006, 4:06 pm
التصنيف: عيون وآذان
آخر المُدخلات
» إلى اللقاء · | Monday, November 30, 09
» مساء الخير - بخصوص توقف الموقع · | Sunday, October 4, 09
» هل فكرت يوما.. · | Saturday, September 12, 09
» عن الحياة والغربة · | Wednesday, September 2, 09
» اضافات على الموقع - طلباتكم · | Sunday, August 9, 09
» الكون وانت وانا · | Monday, July 20, 09
» Mark Twain · | Thursday, July 16, 09
» اعتذار عن الساعات الضائعة · | Tuesday, July 7, 09
» كيكة شوكولاطه · | Saturday, June 27, 09
» مالذي يعنيه "تحقيق كتاب"؟ · | Tuesday, April 28, 09
» الدجاج بحسب قائمة الطعام - Chicken a la Carte · | Friday, April 24, 09
» أنسى أن أموت - عبدالله البردوني · | Friday, April 24, 09
» فريدريك نيتشه Nietzsche · | Sunday, April 19, 09
» الأب بيار · | Saturday, March 14, 09
» برنامج رحلة حياة ١.٥ - تحديث · | Friday, March 13, 09
آخر التعليقات
» إلى اللقاء · Space
» إلى اللقاء · Space
» إلى اللقاء · Space
» إلى اللقاء · طير
» إلى اللقاء · Corleon
» إلى اللقاء · || Sarah ||
» كيكة شوكولاطه · وفاء خالد
» مساء الخير - بخصوص توقف الموقع · صَبا،
» مساء الخير - بخصوص توقف الموقع · أروى
» مساء الخير - بخصوص توقف الموقع · شَـذَىْ!
» مساء الخير - بخصوص توقف الموقع · طلال
» مساء الخير - بخصوص توقف الموقع · مغامر
» مساء الخير - بخصوص توقف الموقع · لِنحياه
» مساء الخير - بخصوص توقف الموقع · الذهب
» مساء الخير - بخصوص توقف الموقع · مغرورهـ




